عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
293
اللباب في علوم الكتاب
هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » فأمر العبد بالتّكبير الذي هو الذّكر وبالشكر ، أعلم العبد أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره ، فيسمع نداءه ويجيب دعاءه . الثاني : أنه أمره بالتّكبير أولا ، ثم رغبه في الدعاء ثانيا تنبيها على أن الدعاء لا بدّ وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل ؛ ألا ترى أن الخليل - عليه السّلام - لمّا أراد الدعاء قدّم أولا الثناء ؛ فقال : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] إلى قوله : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [ الشعراء : 82 ] فلما فرغ من هذا الثناء ، شرع في الدّعاء ، فقال : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً [ الشعراء : 83 ] فكذا هاهنا . الثالث : أنّه لما فرض عليهم الصّيام ، كما فرض على الذين من قبلهم ؛ وكانوا إذا ناموا ، حرم عليهم ما حرم على الصّائم ، فشقّ ذلك على بعضهم ؛ حتّى عصوا في ذلك التكليف ، ثم ندموا وسألوا النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - عن توبتهم ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية الكريمة مخبرا لهم بقبول توبتهم ، وبنسخ ذلك التّشديد ؛ بسبب دعائهم وتضرّعهم . فصل في بيان سبب النزول ذكر في سبب نزول هذه الآية الكريمة وجوه : أحدها : ما قدّمناه . الثاني : قال ابن عبّاس : إنّ يهود المدينة قالوا : يا محمّد ، كيف يسمع ربّك دعاءنا ، وأنت تزعم أنّ بيننا وبين السّماء مسيرة خمسائة عام ، وأنّ غلظ كلّ سماء مثل ذلك ؟ فنزلت الآية الكريمة « 1 » . الثالث : قال الضّحّاك : إنّ أعرابيّا سأل النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل اللّه تعالى الآية « 2 » . الرابع : أنه - عليه الصلاة والسلام - كان في غزاة خيبر ، وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتّهليل والدّعاء ، فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - اربعوا على أنفسكم فإنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا ، إنّما تدعون سميعا قريبا وهو معكم « 3 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 155 . ( 2 ) أخرجه سفيان بن عيينة في « تفسيره » وعبد اللّه ابن الإمام أحمد في « زوائد الزهد » كما في « الدر المنثور » ( 1 / 352 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 4 / 139 ) كتاب الجهاد والسير باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير ( 2992 ) ، ( 8 / 224 ) كتاب القدر باب لا حول ولا قوة إلا باللّه ( 6610 ) ومسلم « الذكر والدعاء » ( 44 ) وأحمد ( 4 / 394 ، 402 ، 418 ) وأبو داود ( 1528 ) والبيهقي ( 2 / 184 ) وعبد الرزاق ( 9244 ) وابن أبي شيبة ( 2 / 488 ) والطبري في « تفسيره » ( 8 / 147 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 5 / 66 ) وفي « التفسير » ( 1 / 159 ) وابن أبي عاصم في « السنة » ( 1 / 274 ) .